كلمـــة الإدارة لمنتدى الحاسب والجوال العربي

الأعضاء و الزوار الكرام

يا ‏‏" ‏زائر " اهلاً وسهلاً بك في اسرة منتدانا منتدى الحاسب والجوال العربي سعيدون بزيارتكم لنا *كما نرحب بلعضو الجديد ‏‏" ‏روفيان "

سحابة الكلمات الدلالية

لعبة  حذيفة_احمد  قصة  انمي  Zuma  


شاطر
استعرض الموضوع السابقاذهب الى الأسفلاستعرض الموضوع التالي
avatar
المدير العام
المدير العام
البلد البلد :
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 1460
نقاط : 4259
مخالفات مخالفات : ليس لديه مخالفات
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضوhttps://google.com/+مجنونالغرامhttps://www.facebook.com/hozaifa01https://twitter.com/hozaifa01

جديد الاستجمام في الغابة ـــ قصة قصيرة

في 2012-09-03, 15:03
سرد - قصص و روايات
________________________________________
عنوان الدرس: الاستجمام في الغابة . اضيف بواسطة : فاسيلي بيلوف . بتاريخ: 2006-07-13.
________________________________________
الاستجمام في الغابة ـــ قصة قصيرة: للكاتب الروسي المعاصر فاسيلي بيلوف ـ ت.الدكتور ممدوح أبو الوي

-1-‏

حدثت هذه الحادثة مباشرةً بعد أن انتسب خولوبييف إلى جمعية الصيادين الروس. أتذكر أنّه عندما أجرت زوجته الإجهاض الثالث، احتفل بذلك بإطلاقه ثلاث عياراتٍ ناريةٍ. ولكنه بعد ذلك صحا وانتسب إلى جمعية الصيادين. فاشترى بارودة صيد ذات أسطوانتين. افتخر ببارودته، لأنّها كانت من أحدث الأنواع، وهي نوع "بيوخارد".‏

كانت هذه البارودة ممتازةً. تميزت،في وقتٍ واحدٍ، بالتنظيم الألماني، وبلمعان إنكليزي، وبالأناة الفرنسية، وبضبط النفس الإسكندنافي، ومع هذا أثارت فكرة الفساد.‏

رأيت أن الزخارف المرسومة على البارودة تخفي عيباً كبيراً وأثار شكلها في نفسي القرف والتقزز.‏

افتخر غولوبييف ببارودته، "بيوخارد" ولابد من الاعتراف بأنّ ساشكا، كان صياداً ممتازاً: استطاع التصويب والرمي بصورةٍ ممتازةٍ ولم يخرج إلى البراري ومعه البارودة، إلا عاد ومعه أرنب.‏

لعن الله الصيد ولعن الأرانب ولعن هذه البارودة المجنونة "بيوخارد".‏

جاءت أيام الخريف الرائعة الهادئة الدافئة، إلا أنّها كانت تبشر بالشتاء. كان ساشكا يقضي إجازته. حصلت على إجازةٍ مقابل أيام السبت التي داومتها أثناء تسليم المشروع. وعشنا مع تونيا في تلك الفترة بهدوءٍ نسبي. واقترحت عليها هذه الرحلة، لكي ننعم وإياها بالطمأنينة. وقدم لنا غولوبييف اقتراحاتٍ كثيرةً. وتبين أنّ لدى تونيا أيضاً عطلةً. وتركنا ليالكا برعاية جدتها، التي جاءت لفترةٍ وجيزةٍ، تمت الأمور على أحسن مايكون.‏

استأجرنا خيمةً، وأكياساً للنوم، واشترينا المواد التموينية الضرورية. كان كلّ شيءٍ جاهزاً، إلا أنّ غولوبييف تأخر، ومعه سيارته التي سينقلنابها. وذهبت تونيا بشكلٍ مفاجئٍ إلى صالون الحلاقة. مشهد لا مثيل له.‏

سعت خلال حياتها كلّها إلى هذه الجدائل، لا أدري لماذا، لم أتحمل، ولم أهضم هذه التصرفات. سرحت شعرها قبل الزواج تسريحةً بسيطةً وأحببت تلك التسريحة، لأنّ شعرها هنا ببساطة شعر، وليس الله يعلم ماذا. ولكنها بعد الزواج أخذت تسرح شعرها تسريحاتٍ غريبةً. وأصبحت تشبه الدمية أكثر من الإنسانة. وأشفقت عليها.‏

تهينني دائماً هذه الشفقة. ولا أريد أن تكون زوجتي في موضعٍ تستحق عليه الشفقة، ومع هذا فهي لا تعيرني انتباهها، وقبل أن أبدأ بهجومي تبدأ هجومها:‏

- انظر إلى نفسك، لماذا لا ترى عيوبك، وترى فقط عيوب الآخرين. مضت سنتان، على قلع سنك، ولا تضع مكانه سناً آخر. اجلس، أفضل لأمثالك أن يسكتوا.‏

ما علاقة سني؟ أشفقتُ عليها أكثر من الماضي، ضايقني صوتها وصراخها، واستعدادها الدائم للمقاومة الدائمة، والنظر إليّ كمادةٍ للصراخ. وغضبت وقلت لها عن بعض عيوبها، وذكرت عيوبي بدورها، وكدت ألطمها، ولكي أتجنب ذلك صفقت الباب.‏

هكذا، أنت تشفق على الزوجة، وتبدلت شفقتي على زوجتي بشفقتي على ذاتي على غضبي المبتذل التافه. نقوم بحماقات غريبةٍ. سنغرق، إن لم تقدم إلينا فرق إنقاذ الغرقى أياديها البيضاء.‏

ولكن ليس كل مرة يستطيع المرء التحمل والصبر. ولكنني لم أستطع التوقف، وتكررت العبارات والمشاهد:‏

- أنت أجمل بدون هذه التسريحات...‏

- أنت تفهم في التسريحات؟..‏

- ولكنني أعرف أنّك تعجبينني أكثر بتسريحتك البسيطة.‏

- لا تصرخ.‏

- ولكن..إذا كانت هذه التسريحة لا تعجبني، فهذا يعني أنّك تحاولين الحصول على إعجاب إنسان آخر، وليس على إعجابي.‏

- أريد أن أحصل على إعجاب نفسي.‏

- ألا تريدين الحصول على إعجابي؟‏

- إذا كنت تحبني، فسأعجبك بغض النظر عن تسريحتي.‏

- أنا لا أحب هذه التسريحة، أتفهمين؟‏

- هذا يعني أنّك أبداً لا تحبني، ولم تحبني سابقاً.‏

- يا إلهي..‏

-فقط تعرف استفزازي..‏

حمّرت شفتيها بحمرةٍ بنفسجيةٍ، حاولت ضبط أعصابي، وقلت لها:‏

- فقط الروسيات يتصرفن، كما تتصرفين، مثلاً الفرنسيات، لا يفعلن ذلك، لا توجد فرنسية واحدة، تقوم بالذي تقومين به، لا تفعل إلا ما يعجب زوجها.‏

نظرت إليّ وضحكت:‏

- هل كنت في باريس؟ نعم؟ لو كنت لعرفت أنّ الفرنسيين لا يهتمون بهذه التفاهات، لأنّهم يحترمون زوجاتهم.‏

- لا تمشط الفرنسية شعرها، بالشكل الذي لا يعجب زوجها. ارتفع صوتي، دون أن أشعر.‏

- لا يتصرّف أيّ فرنسي بالشكل الذي تتصرف به، لأنّه تلقى تربيةً جيدةً.‏

لا أدري بماذا كانت ستنتهي هذه المماحكة، لو لم تقف بيننا ابنتنا ليالكا، وبيدها لعبتها. نظرت إلي وإلى أمّها، ولاسيماعندما كنا نرفع صوتنا. بدت في عينيها مشاعر الخوف، والحزن. رأيت بوضوحٍ. وانقبض قلبي.‏

- كم تحتاجين من الوقت ياتونيا من أجل التسريحة؟ ساعة؟ ساعتين؟‏

- هل تظن أنني أرغب في الذهاب إلى صالون الحلاقة بعد هذا ا لحديث كله...‏

- لابأس، أخذت ليالكا بين يدي.‏

جلست زوجتي قرب المرآة. حضرت نفسها على مايبدو للبكاء، إلا أنها نادراً ماكانت تبكي.ولكنها كانت تفعل ذلك، عندما ترغب، وتتوقف أيضاً عندما ترغب. لاحظت منذ فترةٍ طويلةٍ أنّها تبكي من قهرها وحقدها، أو إذا أهين كبرياؤها. تظهر مشاعرها الأخرى نادراً. وعرفتُ أنّها تربي في نفسها القوة والإرادة، لأنّها ترى ذلك ضرورياً للمرأة في عصرنا.‏

أمر مضحك بالنسبة لي. أردت أن أضحك، إلا أنّني سمعت زمور سيارة ساشا. فأخذت المواد التموينية، والخيمة:‏

- يجب أن نمشي ياتونيا.‏

لم تجب، إلا أنها نادت والدتها من المطبخ، وهذا يعني أنّها موافقة على الرحلة.‏

لوحت بيدي لابنتي ليالكا. وأخذت المواد التموينية، وهرعت إلى الفناء. توقفت سيارة غو لوبييف قرب مدخل البناء.‏

- يا ساشا. أنا سأركب في المقعد الخلفي، حيث توجد البارودة، أتعرف معنى التقدم؟‏

- أعرف، وزمر للسائق، الذي ذهب لشراء علبة دخان. هل ستذهب معنا زوجتك؟.‏

- أجل..‏

- أما زوجتي فلن تذهب. التقدم عندما تتصف النساء بالرجولة.‏

- والرجال بالأنوثة؟‏

لم يجب ساشا. انتظرنا عشرين دقيقةً إلى أن جاءت تونيا، وتحركتا نحو الطبيعة، أو مايسمى بالطبيعة.‏

***‏

سارت بنا السيارة مدة ثلاث ساعاتٍ، وبعد ذلك توقفت قرب الطريق. ترك ساشا السيارة.‏

بدأ الظلام يخيم، ومشينا حوالي الكيلومترين، وبعد ذلك توقفنا.‏

- هنا.. - يجب نصب الخيمة، ويجب الحصول على الأوتاد. وإشعال النار.‏

نظرتُ إلى القمر الأحمر، الذي أنار النهر، وغابات الشوح، ونظرنا إلى السهل المنبسط، من مكانٍ عالٍ. استيقظت العصافير، التي كانت نائمةً على أغصانِ الشجر. كانت الطبيعة جميلةً إلا أنّني أشعر بجمال الطبيعة، فقط في قريتي. نظرت إلى زوجتي، ورأيت كأنها غريبة، وقاسية.‏

-هل تستطيعين ياتونيا إشعال النار؟ أعطيتها علبة الكبريت، وجمعتُ لها قشور شجرة البتول الناشفة. النار مثل خلافاتنا، تبدأ بعود ثقاب، يكفي إشعال عود الثقاب، ورمي العيدان الجافة على النار.‏

- نعم؟!‏

"لعنة الله على كلمة نعم هذه"،" من أين جاءت"؟! عندما لا تعرف ماذا تقول، تقول نعم؟‏

وكانت تغضبني هذه الكلمة أكثر من أية كلمةٍ أخرى.‏

-... ستشتعل قشور البتول حتى وإن هطل المطر. أنت عشت ربيع حياتك في القرية.‏

- خذ وأشعل النار..‏

لاتطيق زوجتي ذكر القرية، ولا ترغب في سماع هذه الكلمة. إنّها تخجل لأنها أمضت طفولتها في القرية. تنظر إلى ماضي حياتها كجزءٍ من حياتها الذي لا يطاق لأنّها عاشت في وسط غير مهذبٍ وغير مثقفٍ، وهووسط القرية، ترغب في أن يعتبرونها مثقفةً، وترغب في ارتداء الملابس، على آخر موضةٍ، وماذا تعني الثقافة والموضة والمعاصرة؟ شعرت بأنّ لديها عقدةً، لم أعرف ذلك سابقاً. اشتعلت قشور أشجار البتول، ووضعت فوقها كومةً من العيدان الرفيعة والجافة.‏

واشتعلت العيدان، واستمر في التوهج قشر أشجار البتول، وبعد أن تشتعل العيدان، أضع آنذاك الحطب الحقيقي، دون أن أتسرع في القيام بوضع الحطب.‏

نظرت إلى زوجتي، التي جلست على حجر. لمعت عيناها بحزنٍ في ضوء النار. جلست إلى جانبها، وضممتها، ووضعتُ يدي على كتفها، وشعرت أنّها التصقت بي، كما كانت تفعل في شبابها، منذ فترةٍ طويلةٍ. ضغطت على كتفيها، فرفعت قبة معطفي، وقالت:‏

- ستمرض يا كوستيا بسبب البرد.‏

قبلت أذنها الباردة، فليأخذها الشيطان، تبدأ خلافاتنا من التوافه، كما بدأت النار. وكذلك إن أبدت زوجتي حناناً بسيطاً، يشتعل الحنان في قلبي، وأنسى المشاجرات والفضائح، والنوم على السرير الصغير المتحرك وصفق الأبواب. اشتعلت النار، وكأنّها علم في الهواء، مع أنّ الهواء هادئ. هبط القمر إلى الأفق. نصبنا الخيمة. ووضعنا الأغصان، والحشائش الجافة التي حصلنا عليها من الكلكوز. وضع غولوبييف الأغراض في خيمته. وأخذ البارودة، ووضع سندويشتين في جيبه. وسألته إلى أين ينوي. قال ساشا أنّه ينوي الذهاب إلى البحيرة ليصطاد البط عند الفجر، ولن يعود قبل منتصف النهار.‏

- ولن تأخذ معك مواداً تموينيةً.‏

- سأجد كلّ شيءٍ قرب البحيرة. في يوم السبت يمكن أن يحصل المرء على كلّ شيءٍ. اشربا بدوني.‏

اختفى ساشكا ومعه بارودته الراعة "بيوخارد".‏

بقينا لوحدنا، واشتعلت النار، وأضاء الغابة المظلمة. وبدأت تهدأ النار شيئاً فشيئاً. وبقيت قطع الفحم. وخيم الظلام والهدوء.‏

- يا تونيا..‏

لم تجب، ولكنني عرفتُ أنّها لم تنم بعد. وأنها تحبني من جديدٍ، رميت قنينة الخمرة، التي لم أفتحها، وأخذت ترمس الشاي، ودخلت إلى الخيمة.‏

***‏

استيقظت بصورةٍ مبكرةٍ بسبب الهدوء غير العادي وبسبب الإحساس بالعطلة. "إنّها جميلة، زوجتي رائعة. تونيا ساحرة....، ونسيت ضرورة تذكيرها بذلك، إنّني أبله. وكنتُ أعرف أنّه يكفي أن أقول لها كلمةً جميلةً، ولو مرة واحدة. تحب النساء التأكيد على ذلك، ولو مرة في الشهر، أو في السنة. هذا ضروري مثل التصوير الشعاعي. "وعندما شعرت بشيءٍ من الغضب، عدت إلى ذكريات البارحة الطيبة لأتخلص من الغضب.‏

استعدت بعوضة لقرص وجه زوجتي. قتلتها دون أن أثير ضجةً. نظرت إلى الساعة، التي أشارت عقاربها إلى الخامسة والثلث. طلع الفجر، وشعرنا بطراوة الخريف. نظرت فترةً طويلةً إلى وجه زوجتي تونيا. لم تختلف تجاعيد وجهها حتى أثناء النوم. شعرت بقلقٍ وبحنانٍ، وكانت تحاول على مايبدو الاستيقاظ، وفجأةً ابتسمت، وابتسمت بنصف فمها الأيمن. انتظرت قليلاً وخرجت بهدوء من كيس النوم ومن الخيمة. نظرت إلى خيمة غولوبييف، التي انتصبت على بعد عشرة أمتارٍ من خيمتنا. ورأيت أنّها مغطاة بحبات الندى وبدت صغيرةً وتافهةً، بالمقارنة مع خيمتنا. ارتفعت الشمس في السماء، أخذت طنجرةً جديدةً لم تستعمل سابقاً، اشتراها ساشا من محلٍ تجاريٍ لبيع الأدوات الرياضية. وفكرت بتنظيفها في ماء النهر الصافي وغرفت الماء. وشعرت لأولّ مرةٍ خلال الصيف بارتياحٍ وبهدوءٍ، أصبحت سعيداً. وأحسّ كلّ عضو من أعضاء جسمي بالسعادة.‏

وأردتُ من جديد الاستمرار في أعمال البناء، في بناء الجسور والبيوت، ومد الأنابيب. وشعرتُ برغبةٍ في تحضير مشاريع بناءٍ جديدةٍ، حيث تكون المصارف أقل مايمكن، والمدة الزمنية اللازمة للتنفيذ أقصر مايمكن.‏

نزلتُ إلى النهر، وأدرت ظهري للخيمة، فشعرت بكلّ مشاعري بخيمتي. حيث تنام زوجتي. نوماً عميقاً. اختفى الضباب بسرعةٍ، وكأنّه اختفى من نظرةٍ واحدةٍ من نظراتي، وما أن اختفى الضباب حتى بانت قمم أشجار البتول الباسقة، ورؤوس أشجار الحور الشامخة، إنّني في قمة السعادة. بزغت الشمس وأخذت تصعد إلى السماء، لم أرَ خلال حياتي كلّها أجمل من بزوغ الشمس في هذا اليوم. أجل أنا سعيد. أمامنا يوم بكامله، سأقضيه مع زوجتي تونيا. تساقطت أوراق الشجر. واستنشق الهواء الطلق، وأتناول الفطور الطازجة. وفجأة ارتجفت، كأنّني أصبت بحرقٍ، -صباح الخير. ألا يوجد لديك علبة كبريت؟‏

سألتني فتاة ذابلة، مرتدية بنطلوناً أخضر اللون، وسترة جلدية مستوردة، أو أنّها ليست سترةً، وإنّما كنزة، يعلم الله. ووقفت بين الشجيرات على مقربةٍ مني. تأمَّلتْ فيّ، دون أن تشعر بخجلٍ. مررت أمامها، وتوقفت وأشعلت عود الثقاب، انحنت وبانت صدريتها، وأعطيتها عود الثقاب لكي تدخن.‏

- شكراً.. قالت مبتسمةً..‏

- واجب..‏

عادت، ولاحظت أنّ بنطلونها ضيق للغاية، ولاحظت وجود خيمةٍ غريبةٍ قريبةٍ من خيمتنا.‏

إنّها خيمة كبيرة تتسع لثلاثة أشخاصٍ. ورفرف على عمود الخيمة علم مرسوم عليه تنين بألوان سوداء وحمراء. اختفى سروري بهذا الصباح الخريفي المشمس. أردت العودة إلى البيت إلى المدينة. ما معنى البقاء هنا؟ سأضطر إلى التعرف على هؤلاء القوم. ويوجد في الخيمة شخصان أو ثلاثة أشخاصٍ.‏

غرفت الماء، وغسلت يدي ووجهي، وعدت أدراجي إلى الخيمة.‏

مازالت تونيا نائمةً. ولن يعود ساشا قبل وقت الغذاء. وجلست أفكر. كما رأيتُ ضرورة تغيير المكان، إلا أنّ هذا يتطلب جهداً كبيراً ووقتاً طويلاً. يستغرق هذا العمل ليس أقل من ثلاث ساعاتٍ، ولن يعرف غولوبييف مكاننا الجديد. ولا أريد تغيير المكان. هذا هو المضحك المبكي. وتذكرتُ حكاية السمور، الذي يأبى إلا أن تكون له أرض لوحده فإن شاركه فيها أحد إمّا أن يرحل، وإمّا أن يموت.‏

وتصورت نفسي متنقلاً برفقة زوجتي ومعنا الخيمة وأمتعتنا. لعل أفضل حل هو أن نركب الباص ونترك لساشكا مذكرة. ولكن إن عدنا إلى البيت، فبماذا ستفسر سبب عودتنا والدة تونيا؟‏

وكذلك فإنّ زوجتي لن توافق على الرحيل وستتهمني بالأنانية.‏

- هل أنت يا زورين هنا؟ سمعت صوتها من الخيمة.‏

عادةً تناديني باسمي، إلا أنّها منذ فترةٍ قصيرةٍ، أخذت تناديني بالكنية. ويعني هذا أنّ مزاجها جيد. ولكن مزاجي في هذا اليوم تعكر.‏

شعرتُ أنّ الأمور لن تسير على مايرام. لأنّهم سيتعرفون علينا وسيشربون الخمر. ولكنني غضبتُ من نفسي. وما المسألة؟ هم جاؤوا بهدف الاستجمام، وكذلك نحن.‏

ولكن حدثت حماقات، لا أرغب في تذكرها، ولن أندم على أيِّ شيءٍ....‏

جاءت لعندنا الفتاة، التي كانت ترتدي بنطالاً أخضر اللون، بعد أربعين دقيقةً. وطلبت منه ملحاً، وقالت أنّ اسمها ألكا، وتأملتْ في خيمتنا، وعرفت اسمي واسم زوجتي، وأخبرتني أنّها تجمدت بسبب البرد عند الفجر، وأنّ فادكا وبارس، يغطان في نومٍ عميقٍ. وسكتت ووضعت الطنجرة على النار.‏

- هل تريدون يا كوستيا فنجان قهوةٍ برازيليةٍ؟‏

- لا لا أريد.‏

قلت لابأس، مازالت تخاطبني بصيغة الجمع. أشعلت النار.‏

- لماذا؟ - استغربت الفتاة. شعرتُ بأنّ زوجتي تونيا بدأت بتحريك حاجبيها معبّرةً عن غضبها لعدم لباقتي مع هذه الفتاة. نظرت إلى زوجتي وتأكدتُ من أن نظراتها تعبّر عن عدم الرضى. حركت زوجتي تونيا حاجبيها. مشت الفتاة، وبصوتٍ عالٍ، سمعته الغابه كلّها قالت:‏

- تعالوا لعندنا.‏

تقدم نحونا شاب، تركت أشعة الشمس على جسده أثرها، ذو شكلٍ متوحشٍ، يرتدي مايو ويضع على كتفيه منشفةً، وينتعل خفافةً. خرج هذا الشاب من بين الشجيرات لا أدري من القادم أهو بارس أم فادكا؟ ولسبب ما ارتديتُ طاقيتي، ودخنت سيجارتي.نظرتُ إلى زوجتي تونيا، فرأيتُ أنّ نظراتها تدل على الفضول. بالطبع كان ينقصها هنا في حضن الطبيعة المرآة وأدوات الزينة.‏

وشعرتُ بضرورة التعرف على هؤلاء القوم.‏

جلس هذا الشاب قرب النار وأخذ يحك ركبته وقال:‏

- آلكا ، لماذا تضايقين الناس؟‏

استغربت التناقض بين صوته. الناعم وبين حجمه الكبير، وشكله الرياضي.‏

- اسكتْ، قالت آلكا، وهي تعطس بسبب دخان السيجارة. وأيضاً شعرت بالتناقض بين صوتها الرجولي، وجسمها الذي يشبه الشباب، وبين مكياجها، الذي مازالت آثاره من البارحة على وجهها المستدير.‏

نظرت تونيا إلى الشاب والشابة، إلى أن تذكرت أنّها حتى الآن لم تغسل وجهها. ولم يبق أمامي سوى تنفيذ لعبة البارحة، التي لم أفهم سرها، ولن أفهم.‏

لماذا تخلى الناس عن طبيعتهم؟ لماذا أصبح كلّ شيءٍ مصطنعاً؟ لماذا يحب الإنسان أن يتخذ لنفسه شكلاً آخر، غير شكله الحقيقي؟‏

في الوقت الذي كانت فيه تونيا، تغسل وجهها بماء النهر، انضم إلينا الشاب الثاني: كان هذا وقحاً خفيف العقل، قليل الحياء. اسمه بارس وكنيته أرسينتيفسكي. احتاج إلى قليلٍ من الذكاء لكي أعرف لماذ آلكا تسميه بارس وليس باريس. إلا أنّها شرحت السبب.‏

شربنا الشاي في الصباح. وقمت بعمل القاضي أو الحكم في المباراة التي جرت بين بارس وبين فاديم بالذكاء. وشعرتُ أنّهما يتباهيان أمامي وأمام آلكا وأمام زوجتي تونيا....‏

جاء ساشكا قبل الغروب، وكنا في خيمة جيراننا. ونظر إلينا، وأخرج سمكاً كبير الحجم وبطتين، وحجلةً، وسمكاً صغيراً، لم تكن لدينا رغبة في تنظيف البط، أو الاقتراب منه. وكان الكلب يقترب من كلّ واحدٍ، ويحاول مساعدته، بدأنا بتقشير البطاطا.‏

وأخذ فاديم بارودة ساشا:‏

- "بيوخارد"..؟ أين استطعت شراء هذه البارودة؟‏

ارتاح ساشا لمدح فاديم لبارودته. وقدّم فاديم لساشا. بارودته. ودار بينهما حديث حول الصيد وأدواته. وتحدثت معهما، ولكنني تظاهرتُ أنّني لا أفهم شيئاً في الصيد وفي البواريد.‏

وأخذ يشرح لي ساشكا ماهو الفرق بين الأسطوانة اليسرى لبارودة الصيد. وما هو المدى المجدي للبارودة. ويعرف معرفةً جيدةً أنّني كنتُ صياداً في طفولتي وفي شبابي.‏

- من سيقطّع الحطب، ياشباب؟ صرخت آلكا. أخذت بلطةً وقطعت شجرة شوحٍ يابسةً طويلةً. أخذت نصفها إلى قرب النار، ووضعته على النار، وبذلك فإنّ النار ستشتعل حتى منتصف الليل.‏

- ماهو رأيك، مع من تنام هذه الفتاة؟ مع باريس أم مع فاديم؟ - سأل ساشا، عندما عدت إليه.‏

- من؟! سألت بغضبٍ؟‏

- اعتذر يا صديقي، يا أيها الشيخ... لماذا تغضب؟‏

- إذا كنت تتحدث عن آلكا، فحسب اعتقادي أنّها تعمل بورديتين. -أجبت وأنا في قمة الغضب.‏

- وقد يجوز أنّها تعمل دون توقفٍ؟ -قال هذا الأبله.‏

حضرت تونيا العشاء، وتحدثت مع آلكا. "ألا يفهم ساشا؟.... إن لم يفهم فسألطمه، تجلس قرب النار ليس فقط آلكا وإنّما أيضاً زوجتي "ولكن غولوبييف، لا يستطيع الابتعاد عن مثل هذه الأحاديث. وشعرت بغضبٍ شديدٍ ليس عليه، وإنّما لأن زوجتي ارتاحت كثيراً لهذه الفتاة، ذات السلوك السيء، لأنّها تنام في خيمةٍ واحدةٍ مع شابين. أعرف معرفةً جيدةً مثل هذه الفتيات، أعرف هذا الجيل، جيل مابعد الحرب. لا يعرف أبناء هذا الجيل أين الصح، وأين الخطأ، كما أنّهم لا يعرفون إلى أين يتجهون. إنهم رومانسيون وحالمون رقيقون. وينتظر المرء من أبناء هذا الجيل أيّ تصرفٍ كان.‏

بالنسبة لمثل هذه الفتاة إمّا لا توجد أخلاق، أو أنّ مفهوم الأخلاق غامض. تعيش هذه الفتاة بحريةٍ كاملةٍ، ولذلك فهي لا تعرف المسؤولية. كيف يجب أن يتصرف المرء مع مثل هذه الفتاة؟‏

لا أعرف ولا أريد أن أعرف. عندما تأتي مثل هذه الفتاة لعندنا إلى مؤسسة البناء، فسوف أساعدها وأمدّ لها يد العون والمساعدة، وأبيّن لها ماهو الصحيح وماهو الخطأ. وتأتي عادةً إلينا مثل هذه الفتاة، في حال عدم قبولها في الجامعات والمعاهد العليا، عند انتهاء دراسة المرحلة الثانوية. أشفق علىمثل هذه الفتاة، وأتمنى أن أبيّن لها ماهو الصح وماهو الخطأ. وأساعدها على تكوين شخصيتها المستقلة. ولكن مثل هذه الفتاة، إن جاءت إلى مؤسسة البناء، التي أعمل فيها، فلن تبقى فترةً طويلةً. فتذهب إلى مناطقٍ بعيدةٍ مثل الأورال، لست ضد أن تعمل، مثل هذه الفتاة في المناطق النائية، إلا أنّني لا أطيقها تنام في الفندق في غرفةٍ مخصصةٍ لشخصٍ واحدٍ مع رجلٍ غريبٍ. ويعرف ساشا غولوبييف نظراتي الأخلاقية نحو علاقة الرجل بالمرأة. وفهم في نهاية المطاف أنّني غاضب:‏

- اعذرني ياشيخ اعذرني.... ولكن يجب أن تصبح مهذباً ألا توافق على قضاء ليلةٍ معها في خيمةً واحدةٍ؟ إذا لم يكن معكما أحد؟‏

- بالطبع سأرفض مثل هذا العرض؟‏

- لماذا؟‍!‏

- لأنني أريد حلق ذقني بماكينتي للحلاقة. ألاتفهم؟ بماكينتي. أبعد عني. قام ساشكا ببعض الحركات، التي تدل على اعتذاره، وشعرت بأنّني بدأتُ أغضب وسأصرخ في وجهه.‏

دعونا لتناول العشاء.‏

- كرهت هذا اللقاء منذ الصباح، وعلي أن أتحمل هؤلاء الناس طيلة السهرة. كان مزاج ساشا مرحاً. أما أنا فبصعوبةٍ، تمالكتُ نفسي. وجلس الجميعُ على الأرضِ، كما يجلس الأتراك، تحت الراية الغريبة، المرسوم عليها تنين، وأخذت الترمس وسكبت كأساً منه، وشربت شراباً مستورداً، دون أن أنتظر انتهاء نخب الفتاة ألكا، التي أرادت أن تشرب نخب اللقاء.‏

أعتقد بأن باريس كان أقدم في العمل من فاديم، مع أنّ فاديم أيضاً كان يحضّر أطروحة الدكتوراه. وسألته عن مدى صحة وجود أكثر من مئتي ألف عالمٍ في مدينة موسكو لوحدها، يوجد بينهم حملة ألقاب دكتور وأكاديمي. اعتبر باريس أنّ هذا الرقم عادي وليس كبيراً، ولم يجب عن سؤالي لأنّه كان يبتلع حبةً، عندما طرحت عليه السؤال.‏

نظرت زوجتي إلى الفيزيائيين...ولم أستغرب، لأنّها لأول مرةٍ تلتقي بمختصين بالفيزياء. ومع هذا لماذا حدقت بهما، وبوجههما؟ ولماذا تظاهرت زوجتي بمعرفة الفيزياء، ونظرية الاحتمالات ونظرية الجاذبية؟ لا أفهم هذه العلوم إلابشكل ضبابي، فكيف هي تستطيع أن تفهم شيئاً في الفيزياء؟‏

- ألا ترون.... أنّ التجربة هي التي تثبت الحقائق. كان فاديم متساهلاً وصبوراً.‏

أخرج من حقيبته، التي يحملها على ظهره مفكرةً، وأخذ من المفكرة ورقةً بيضاء اللون، وطواها، وصنع من هذه الورقة حلقةً وقدّمها لزوجتي تونيا:‏

- هنا جانبان خارجي وداخلي، أليس كذلك؟‏

- نعم... بانت على حاجبي زوجتي الجميلين علامات التفكير.‏

- هل تستطيع حشرةً صغيرةً أن تزحف من هذا الجانب إلى ذاك، دون أن تعبر حافة الورقة؟‏

- طبعاً لاتستطيع.‏

- والآن - مزق الورقة، ولصقها من جديدٍ، - هل تستطيعين أن تبيّني أين الجانب الداخلي وأين الجانب الخارجي؟‏

رأيت كيف تونيا حركت قلمها بالورقة، وعرفتُ لو أنني قمت بهذه التجربة، وليس فاديم، لما أصغت إليّ....‏

غيّر فاديم الحديث، فأخذ يتحدث عن موضوعٍ آخر، قريبٍ من اهتمامات تونيا، دار الحديث حول الكتب بوجهٍ عام، وبعد ذلك دار الحديث حول الروايات البوليسية، وحول روايات الخيال العلمي.‏

أمّا باريس ، فكان بين الحين والآخر يروي نادرةً طريفةً، وأحياناً نادرةً سيئةً، فتضربه ألكا على ظهره مداعبةً إياه. حاولت أن تفهم تونيا سبب قهقهة ألكا. أخذت أغلي في أعماقي، وأغاظني هذا الجو كلّه. فابتعدت عن النار.‏

ألقى القمر أنواره على الغابة وعلى النهر، وكان القمر كبيراً، وأصفر اللون، ساد الهدوء في الأمكنة كلّها. كانت طرائفهم قد نضبت عندما عدت إليهم. ألقت ألكا بنفسها على باريس، فلم يستطع تحريك إبرة المذياع. همست في أذنه شيئاً ما، فضمها وتابعت زوجتي أحاديثها مع فاديم حول الأدب:‏

- ماهو رأيك بالكاتب جويس؟‏

- إنه كاتب ضحل جداً، إذا ما قارناه مع الأديب فرانز كافكا.-قال فاديم. وهو يخرج من جيب بنطلونه الجينز علبة سجائرٍ من نوع "كنت" - وطرح سؤاله علي:‏

- هل قرأتم جويس؟ فقلت أنّني لم أقرأ جويس لعدم وجود الرغبة والوقت.‏

- لم تكن لدينا مؤلفات جويس وفرانز كافكا- أضافت زوجتي، إضافةً مناسبةً، التي تصرفت بشكلٍ مناسبٍ في هذا اليوم، وليس من عادتها، أن تتصرف بشكلٍ لائقٍ، كما تصرفت اليوم.‏

تسارعت في مدحي لزوجتي، لأنها تكلمت بصوتٍ، لا يخلو من بعض الإهانات تجاهي. ولم يخطر ببالها أنّني غير آسفٍ على عدم قراءتي لجويس، والحقيقة حاولت قراءة جويس، قمت بهذه المحاولة منذ سنواتٍ كثيرةٍ، إذ أحضرت زوجتي لي أحد كتبه لمدة يومين إلى البيت. وجدته كاتباً ثقيلاً، فقرأتُ حوالي العشرين صفحةً، وسررتُ لأنني نسيتُ، في اليوم التالي ما قرأت. والآن تريد زوجتي تونيا أن تعبّر عن أسفها، أمام هذين الشابين المتأنقين، لعدم قراءة جويس، لأنّ عدم قراءتي لجويس تدل على مستوى غير كافٍ من الثقافة غضبت من زوجتي ومن نفسي، غضبت من نفسي لأنّني عتبت على زوجتي، فلا ضرورة للعتب عليها، لأنّني لا أنتظر منها تصرفاً آخر.‏

- بالطبع لا توجد مؤلفات جويس وفرانز كافكا في المكتبات. لأنّها ما إن تطبع، حتى تنفذ مباشرةً. فهل مؤلفات ألكسندر بوشكين متوفرة؟ وهل مؤلفات ميخائيل ليرمنتوف متوفرة؟. -طرحت هذه الأسئلة على زوجتي بشكلٍ مفاجئٍ.‏

استغربت في البداية، ثم غضبت، وابتعدت، دون أن تجب عن أسئلتي، من عاداتها الابتعاد عندما لا يروق لها الحديث، أو عندما ترغب في تجنب الإجابة عن سؤالٍ ما. وشعرت أنّني أكاد لا أتحكم بأعصابي، كدتُ أنهار بسبب الغضب. وأحسستُ بغربتي وبأنّني وحيد. لم يستطع ساشا مساعدتي. أراد الرمي على الأواني الفارغة، وزوجتي كعادتها ترغب في محاربتي، وقلما تتخذ الموقف نفسه الذي اتخذه.‏

- ما علاقة الكسندر بوشكين بحديثنا؟-سأل فاديم. وابتسمت مؤيدةً إياه زوجتي تونيا.‏

- إنّه في صميم حديثنا، لأنّ المشكلة هنا عدم توفر مؤلفات جويس، وفرانز كافكا في المكتبات.‏

هكذا ترى أنت. أما أنا فأرى أنّ المشكلة تكمن في عدم توفر مؤلفات الشاعرين الكسندر بوشكين وميخائيل ليرمنتوف.‏

- ألا توجد مؤلفات الكسندر بوشكين في المكتبات؟ سأل فاديم، وحرك الحطب المشتعل، ونظر إلى تونيا فحركت كتفها، وكأنها تعتذر عن عدم تهذيبي.‏

ارتفع ضغطي بسبب الغضب.‏

قهرتني حركة كتف زوجتي، لأنّها تدل على احتقارها لي. أردت أن أظن نفسي مخطئاً، وانتظرت كلمةً منها، ولكنني لم أخطئ. فلم تنطق زوجتي ببنت شفةٍ. ارتجفت وغضبت وحزنت كثيراً. واستغربت لأنّني قلت بهدوءٍ كبيرٍ:‏

- تتوفر في المكتبات كتب لا حاجة للقراء بها. ولكنك حاول أن تحصل على مجلدٍ واحدٍ أو أكثر من أشعار بوشكين.‏

يبدو أن باريس يشبه يوليوس قيصر، فهو مثله يستطيع أن يقرأ ويكتب ويتحدث في وقتٍ واحدٍ، فجأةً أبعد ألكا وتوجه نحوي:‏

- أتعرف ماذا؟‏

- ماذا.‎.؟‏

- لن نفعل. - لمعت عيناه في الظلمة كما لمعت عينا باريس، - لا لزوم، أتفهم؟‏

- ماذا، .. ماذا تقصد بكلمة، لا لزوم؟‏

- كفى.....‏

- ماذا كفى؟ -صرخت، بعد أن فقدتُ القدرة على التحكم بأعصابي، وقفزتُ. -ماذا؟!‏

وكأنه كان ينتظر صراخي، فرفع يده، وابتسم بوداعةٍ، وابتعد، وأخذ، يتحدث مع ألكا، بهدوءٍ، وبشكلٍ يشبه التمثيل. نظرت إليهم جميعاً. وابتسم ساشكا وهو سكران، وقدّم لي قنينةً فارغةً وقال متلعثماً لأنّه سكران:‏

- ارم ياشيخ في الهواء...‏

أخذت القنينة وقذفتها في الهواء إلى الأعلى. أخذ ساشا بارودة الصيد، وأطلق النار.‏

سقطت القنينة على الأعشاب دون أن تنكسر. شعرتُ ألكا بسرورٍ كبيرٍ، وأحسستُ بحزنٍ كبيرٍ، وطلبتُ سيجارةً، فقدّم لي فاديم سيجارة "كنت" ونظر إليّ نظرةً، تراءت لي أنّها نظرة لا تخلو من المحبة. وأخذ بارودته واقترح علي الرمي على أهدافٍ ثابتةٍ. ونصب غولوبييف هدفاً، وعاد إلى النار، فكان الهدف قنينةً، بانت من بعيدٍ في ضوء القمر.‏

وبدأنا نرمي، لكي نرى من يرمي بدقةٍ.‏

- ماهي حاجتك لكلّ هذه الطلقات؟ سأل غولوبييف مستغرباً.‏

- أردت أن ترمي على الدب. هل تريد أن ترمي يا باريس؟‏

أومأ برأسه باريس موافقاً.‏

- وأنت يا تونيا؟‏

أعربت زوجتي تونيا عن رغبتها، ووافقت على الرمي ببارودة ساشكا "بيوخارد" ذات أسطوانة عيار 16 مم، وابتسمت للضيوف.‏

رمينا القرعة لمعرفة الدور، وأعلن باريس بصوتٍ عالٍ أنّ لديه للفائز في حقيبته مفاجأةً جيدةً. وأخذ من مفكرته ست ورقات وكتب عليها أرقاماً، وطواها، ووضعها في القبعة وقدّمها لي:‏

-اسحب.‏

وقلت له أنّ الكلخوزيين عندما يرمون القرعة، يجرون قرعة أخرى، حول من الذي سيبدأ بسحب الورقة الأولى.‏

- نعم...نعم، هذا بالضبط، ولكن هنا يمكن أن نجري قرعةً ثانيةً وثالثةً، إلى ما لا نهاية.‏

- طبعاً، برأيي أنّنا دائماً، نسحب القرعة.‏

- إنّها فكرة هامة. قال باريس -يوجد ست أوراق. سنقوم بالقرعة.‏

أخذت ورقةً من القبعة، وفتحتها، وقرأت عليها الرقم واحد. وقدّم لي ساشكا بارودته، وأطلقت النار، وأخطأتُ الهدف. لا توجد لدي رغبة لمعرفة كيف ترمي زوجتي من البارودة. وكان منظرها مضحكاً ومبكياً في آنٍ واحدٍ. وتذكرت الجدة التي وضعها نيكولاي غوغول، وهي جدة إيفان بن فيدور شبونكا. التي كانت تحب الرمي على البط...وانتهى الرمي بحصول ساشكا غولوبييف على الجائزة وهي قنينة وسكي من صنع اسكتلندا، لأنّه أفضل رام.‏

اشتعلتُ النار بقوةٍ أكثر من الماضي.‏

- كم بقي من الطلقات ؟ سأل ساشا بعد أن تذوق الخمرة.‏

- لدى ست طلقات. -تكفي لقتل الدب.‏

- ست طلقات؟ -قالت ألكا- وعددنا ستة أشخاص.‏

- تريدين أن تقولي أنّه يمكن اللعب في اللعبة الرويلة- ذهب فاديم إلى الخيمة وارتدى كنزته.‏

- وماهي لعبة الرويلة؟‏

- إنّها يا ألكا لعبة الضباط.‏

- آه.. سنلعب يافاديم، تفضلوا..‏

- سألعب، ولكن لا يجوز أن تشارك النسوة في هذه اللعبة، وهي لعبة مخصصة لضباط القصر.‏

- لماذا؟ - اهتمت زوجتي بهذه اللعبة، وأبدت الفضول لتعرف كيف يلعبونها.‏

- يوجد في مخزن المسدس براونينغ سبع طلقات. نحرك المخزن. ويبقى في نهاية الحفلة سبعة رجالٍ، الذين يرمون من المخزن الطلقات... ولكنهم يحتفظون بطلقةٍ واحدةٍ..... ويتركون المسدس براونينغ.‏

حملقت تونيا وألكا به، ولأوّل مرةٍ أتحسس قوة الفضول لدى النساء...‏

- وماذا سيحصل فيما بعد.؟ - سألت ألكا.‏

- ماذا سيحصل -شرب فاديم جرعةً من كأسه.- سيضع كلّ واحد من الرجال السبعة أسطوانة المسدس في رأسه، ويضغط على الزناد، فإنّ واحداً منهم سيقتل.‏

- أمر مخيف - قالت ألكا، وهزت بكتفيها.‏

- ما الفرق؟ فإنّه سيموت في مكانٍ ما. - قال باريس- ما الفرق أيموت الإنسان الآن أم غداً؟ هنا أم في الحرب؟‏

- هيا يا شباب، العبوا في الرويلة. وأخذت تقفز وهي تجلس قرب النار- العبوا الآن، الآن، الآن.‏

جالت بنظراتها المجنونة على الموجودين.‏

- وماذا...؟ -نظر إليّ فاديم- أنا أريد أن ألعب...‏

- كيف ستلعبون إذا لم يكن لديكم مسدس ومخزن؟‏

- بكلّ بساطةٍ - أخذ فاديم القبعة ووضع فيها ست طلقات وطلب من باريس تفريغ الطلقات من البارود.‏

- افرغها يا باريس.‏

- كيف؟؟!...‏

- هكذا، أفرغها جميعها، ما عدا واحدة.‏

- أولاً، أنا لست ضابطاً يافاديم،.. ثانياً أنا لستُ روسياً، وبالتالي لست من ضباط القصر.‏

إنّني فقط دكتور في علوم الفيزياء والرياضيات، وعندي بعض الاهتمامات بعلم السيبرنيتيك...‏

- لا تستطيع مساعدتي. أخذ فاديم الطلقات. - فسأقوم بنفسي بهذا العمل.‏

أخذ فاديم من جيبه سكيناً من النوع الذي يطوى، ومسلةً. وأخذ يثقب الطلقة، وحشوة اللباد التي فيها، وبعد ذلك رشق البارود على النار، وأعاد الطلقة واللباد.‏

اشتعل البارود وأضاء وجه ألكا. نظرت إلى زوجتي تونيا، التي كانت في الظلّ، وأخذ ساشكا يحرك إبرة المذياع.‏

- من فضلك - نظرّ إليّ فاديم، - هذه هي الطلقة السادسة ولم أفرغها، إنّها أثقل من بقية الطلقات بغرامين، إلا أنّها تشبه الطلقات الأخرى، هل تستطيع باللمس تميزها عن الطلقات الأخرى؟‏

- لا لا أستطيع.‏

- وأنا أيضاً لا أستطيع، - ترك الطلقات في القبعة- ألكا هزي القبعة!‏

هزت ألكا القبعة، ورمت الطلقات، وسكت الجميع.‏

- نجري بعض التسهيلات، لا نسمح للنساء بالمشاركة في اللعبة، ولكن طلقاتهن تبقى... هكذا، وهكذا، ماذا هذا؟ الثأر لمئتي وخمسين ألف؟ ولم أعرف هل فاديم يتحدث بتحدٍ أم يمزح؟ لمعت عيناه بسخريةٍ. أخذ بارودة الصيد "بيوخاراد" ونفخ في أسطوانتها اليسرى.‏

- كفى ياشباب... - وضعت ألكا ذقنها على ركبتيها، أنتم جبناء، أنتم أبعد ما تكونون عن الرجال، أنتم؟ لن تستطيعوا أبداً.‏

وأخذت ألكا فجأة تقهقه.‏

- أأنتم ستلعبون في الرويلة؟ ياإلهي. أنتم...؟‏

- كفى يا ألكا! نهض فاديم... كفى؟!‏

- وهل تستطيع أنت أن تلعب؟ - واستمرت ألكا في الضحك- وأخذت تتدحرج على الأعشاب قرب الخيمة.‏

- لن أستطيع أن ألعب لوحدي. مفهوم؟ وأخذها بقبتها، لن يلعب المرء مع ذاته، لابد من وجود شركاء. أخذ فاديم يغضب، وينظر إلينا،..... وشعرت ببرودةٍ هادئةٍ...‏

- من فضلك- قدّم فاديم القبعة لباريس.‏

- أنا- ابتعد باريس، وأخذّ يصفرّ أغنية "كارمن".‏

- وأنت؟ توجه فاديم نحو ساشا غولوبييف.‏

- لم أكمل حتى الآن بناء مصرف المجاري - قال ساشا، -أضف إلى ذلك، أنّني ألعب فقط الشطرنج.‏

- وأنت؟ قدّم لي القبعة. وتجمد.‏

نظرّ إليّ فاديم. توقفت ألكا عن القهقهة. لجم باريس رغبته في الابتسام، وعض شفته. وجلست تونيا، ودون أن تتحرك نظرت إلى النار. سكت.‏

تغيرت عينا زوجتي في الظلام. هكذا تراءى لي. أبعدت القبعة عني ببطءٍ.‏

رمى فاديم القبعة في الحقيبة التي تحمل على الظهر. وشد خيطها. وعلق بعد ذلك الحقيبة على شجرة البتول. وأخذ قنينة الوسكي وأخذ يشرب منها.‏

- هل سنشرب نخب الرجال المعاصرين؟...‏

نظرت إلى تونيا وتراءى لي أنّ تغييرات طرأت على مقلتيها: إّما أنّ مقلتيها ضاقتا، أو أنّهما لمعتا وعبّرتا عن حزنٍ، نظرت إلى الساعة. وتأوهت ونهضت:‏

- الآن الساعة الواحدة بعد منتصف الليل. تصبحون على خير.‏

- تونيا. ناديتها بصوتٍ لم أعرفه.. ولم تنظر وتابعت... بعد أن شربنا من قنينة الويسكي. ذهبت إلى النهر دون أن أودعهم. جرى الكلب جيك ورائي. بدأت أحلل تصرفاتي وشفقت على نفسي.‏

ما الذي حدث؟!‏

رغب فاديم أن يلعب هذه اللعبة المتوحشة الغبية- وشجعته على ذلك المجنونة ألكا.‏

ولاحظت ذلك لأنه قفز بعصبيةٍ، قال بصوتٍ مرتجفٍ: "لا أستطيع أن ألعب لوحدي. إنّني بحاجةٍ إلى شركاء. "وهل كان متأكداً بأنّ الجميع سيرفضون هذه اللعبة؟ هل عرض علينا اللعب لأنه تأكد من خوفنا وجبننا؟ إنّه يعرف صديقه باريس، يعرف مسبقاً أنّه سيرفض، وماذا بعد ذلك؟ هل هو عالم نفساني، عرف مباشرةً أنّ ساشا جبان؟ أخذت أنتقد نفسي، لأنّني لم أشارك في اللعب. لأنّني لستُ جباناً. لم أعتبر نفسي جباناً. رفضت اللعب بهدوءٍ وببطءٍ، أي أنني في ظروف أخرى لما رفضت أبداً.‏

في أيّ الحالات؟ أتكون مواقفي مواقف جبانةً، لأنّني أجلت الموقف الرجولي إلى ظروفٍ أخرى؟‏

ربما أنا جبان، على الأغلب هكذا، إذن أنا جبان عادي، وكانت زوجتي على حقٍ عندما تركتنا باحتقارٍ، دون أن تنظر إلينا، وذهبت إلى الخيمة.‏

شعرت كأن وجهي احترق أو التهب وكذلك يداي وعنقي. نزلت إلى الشاطئ القرفصاء على الأرض. شعرت بدفء الماء. بدأ يتولد الضباب فوق الماء. وشعرتُ بنشاطٍ مفاجئٍ وبوضوحٍ في أفكاري وغمرتني روح الحماسة والإرادة القوية. وأحسست ببرودةٍ في صدري مثل تلك البرودة التي شعرت بها في وقت التجربة وفي لحظة الخطر. فهمت الآن واجبي، وأدركتُ أنّني لا أستطيع أن أمضي عمري محتقراً نفسي. فأنا لستُ جباناً، ولا أخاف أحداً، ولا أخاف نفسي.لا أخاف أيّ شيءٍ.‏

وإذا كنت متأكداً من شجاعتي، فلماذا أجرب ذلك؟ صفرت للكلب جيك، فجرى لعندي من بين الشجيراتٍ، وغرز وجهه البارد في راحة - يدي. واختفى ثانيةً. فجلست على الحجر.‏

تجاوزت الساعة الرابعة بعد منتصف الليل. بزغ الفجر، وخمدت النار قرب الخيمة. نام الجميع. عدت أدراجي. ومازالت الحقيبة التي تحمل على الظهر معلقةً على شجرة البتول، فأخذتها وأخذت منها القبعة، التي فيها الطلقات.‏

غاب القمر، إلا أن الفجر بدأ يشق طريقه. سخرت من الغباء، وابتعدت عن الشجيرات بحذرٍ. خيّم الهدوء. ولكن أين بارودة الصيد؟ لم أجدها، على ما يبدو أنّ ساشا أخذها إلى داخل الخيمة. دخلت الخيمة. وسمعت شخير ساشا غولوبييف. فأخذت البارودة من الخيمة بهدوءٍ، وجمدتُ ثانيةً.‏

ياتونيا. -بهدوءٍ، ناديتها. آه، يا تونيا. دون أن أنتظر من نفسي القيام بهذا التصرف تسارعت دقات قلبي، انتظرت، إلا أنّ زوجتي لم ترد. إمّا أنّها كانت نائمةً، وإمّا أنّها لم ترغب في محادثتي. فذهبت مسرعاً، تقريباً راكضاً إلى النهر. وأحاطني الضباب من الجوانب كلّها. وجرى الكلب بين الشجيرات محركاً ذنبه، وحملق عينيه باتجاهي.‏

- أهدأ يا جيك، -خاطبت الكلب- أتسمع، ابعد عني.‏

إلا أنّه لم يبتعد. وضعت البارودة "بيوخارد" على الأعشاب جلست على الحجر. وضعت يدي على القبعة، شعرت ببرودةٍ. كان عدد الطلقات ست طلقاتٍ. أخذت أتلمسها. كلّها محشوة بالرصاص، ولكن إياها محشوة بالبارود؟ تستطيع كمية قليلة من مادة البارود: تلك المادة الجافة وذات اللون الأشهب أن تطير دماغي، وتسيّل دمي، وتقتلني، وتنهي وجودي، فأختفي من الوجود.‏

ولكن إلى أين سأختفي؟ غمرني الخوف من أخمص قدمي إلى قمة رأسي. ورميت بقرفٍ القبعة والطلقات. تدحرجت واحدة منها على الأعشاب عرفت أنّها طلقتي. أنت جبان، هذه هي المسألة. "-خطرت على بالي مثل هذه الفكرة. هل يعقل أن تكون زوجتي على حقٍ؟ هل صحيح أننّي جبان؟ وأن هذه اللعبة ليست لأمثالي؟‏

طلع الفجر، وتذكرت حياتي. تذكرت السنوات والشهور والأسابيع والأيام. تذكرت تفاصيل تافهةً من حياتي الماضية، ولم أتذكر الأحداث، التي كنتُ أعتبرها هامةً، والتي بالفعل هي هامة. ولكن ماهو الهام بالفعل؟ إذا كنتُ جباناً، ولا أحترم نفسي، ولا أريد ذلك؟ ولكن لماذا يجب أن أحترم نفسي؟ هل هذا الاحترام ضروري؟ أتعرف...؟؟‏

تذكرت ثانيةً لمعان عيني زوجتي تونيا، الذي يعبّر عن إيمانها العفوي بزوجها، وتذكرت كيف خمد إيمانها، وكيف ابتعدت عن النار، وذهبت إلى الخيمة. يعني أنا جبان.....‏

- "يجب أن أوقع أنني جبان.. وكفى"، -"لا ضرورة للتفكير ووجع الرأس. نعم"، - "ولكنني أعرف أنّني لست جباناً". - "من أين جاءتك هذه الثقة؟" - "هكذا جاءتني..."‏

أخذت "بيوخارد" من بين قدمي، وأخذت الطلقة التي تدحرجت من القبعة. أدخلت القبعة إلى الأسطوانة اليسرى. وأخذت أردد بيني وبين نفسي. "هل أطلق النار؟ أولا أطلق النار، هل أضغط على الزناد أو لا أضغط؟ دخلت الطلقة بسهولةٍ في الأسطوانة. حضّرت نفسي. خلعت غصن حورٍ، ونظفته من الأوراق، ووجهت أسطوانة البارودة "بيوخارد" مباشرةً إلى رأسي. تجمدت في مكاني. كدت أن أصرخ. وأرتجف. ومع هذا التقطت الزناد، وضغطت عليه. مرت لحظة غريبة مريرة علي. ضرب شيء ما برأسي، وساد الهدوء، هبطت ببطءٍ على الأرض.‏

نظر الكلب إليّ دون أن يدري ما الذي حصل. هل أنا حيّ؟ هل أحرزتُ النجاح؟ هل ربحت المعركة؟ قفزت وعرفت أنّني مادةً حيّةً، مازلت لحماً ودماً. يبدو أنّه يحق لجسدي الاستمرار في الحياة في أمكنةٍ وأزمنةٍ معينةٍ، وأن يتمتع في هذا الصباح الخريفي، وفي اليوم كلّه وفي المساء.‏

أردت أن أقفز، وأردت أن أركض إلى مكانٍ ما في الجبال. وأن أتعرف على الناس. نظر الكلب إليّ مستغرباً.‏

أخذت القبعة، وفيها الطلقات الخمس المتبقية، أيّ هذه الطلقات هددت حياتي؟ تصورت نفسي قتيلاً، وفزعتُ، خفتُ. وكدتُ أن أصرخ بسبب السرور والفرح. أخرجت الطلقة الفارغة، ووضعت مكانها، طلقةً، أخرى، وضغطت على الزناد، إلاّ أنّ الطلقة لم تخرج من الأسطوانة. وهذا يعني أنّ هذه الطلقة أيضاً فارغة. أيّ هذه الطلقات مازالت قاتلةً؟ بقي لدي أربع طلقاتٍ. جربتُ خمس طلقاتٍ وبقيت الطلقة السادسة. جربتها، ووجدتُ أنّها أيضاً فارغة.‏

فكرت بالذي حدث بهدوءٍ. جمعت الطلقات الفارعة... واختفت حيرتي، وتبيّن لي أنّ جميع الطلقات فارغة.‏

فكرت، ورأيت أنّ هؤلاء الأصدقاء اخترعوا تسليةً لابأس بها. وهذا يعني أنّهم سنوياً يقومون بمثل هذه اللعبة، فيلتقطون الناس الساذجين من أمثالي "ولكن ألكا؟ هل هي عرفت سر اللعبة؟ لا، إنّها لم تعرف. إنّها قهقهت على الرجال المعاصرين بصدقٍ. وهل يعقل أنّ هؤلاء الذين يدرسون السبيرنيتيك يقومون بالتجارب نفسها سنوياً، أثناء الاستجام والصيد.‏

خنقني الخجل والغضب والحزن. نام الجميع في خيماتهم. وضعت الطلقات الفارغة في القبعة، ووضعت القبعة في الحقيبة، التي تحمل على الظهر، وعلقت الحقيبة على شجرة البتول، وأعدت بارودة "بيوخارد" إلى مكانها في الخيمة.‏

شخر ساشا، ودخلت خيمتي، حيث تنام زوجتي في كيس النوم.‏

لم أرغب في إيقاظها في وقتٍ مبكرٍ. جلستُ لفترةٍ طويلةٍ على الأعشاب، لا أدري مالعمل. جلستُ على الأعشاب. وأخذت أنظف البارودة. أيقظ نباح الكلب بعد ساعتين تونيا وساشا غولوبييف، ودون أن أشرح، أخذتُ أعيد ترتيب الخيمة. هددت ساشا بأنّني سأعود لوحدي. جهزنا أنفسنا للعودة أنا وساشا وزوجتي.‏

- يجب توديعهم -قالت زوجتي- بعد أن جهزنا أنفسنا للعودة.‏

- لا ضرورة، لا حاجة لهم بنا.‏

رمتني بنظرةٍ مليئةٍ بالكراهية، وتأوهت وخضعت لإرادتي، وساعدتها على حمل الحقيبة التي تحمل على الظهر.‏
________________________________________
نسخة من الدرس من موقع سرد - قصص و روايات
POWERED BY: SaphpLesson3.0





________________
avatar
المدير العام
المدير العام
البلد البلد :
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 1460
نقاط : 4259
مخالفات مخالفات : ليس لديه مخالفات
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضوhttps://google.com/+مجنونالغرامhttps://www.facebook.com/hozaifa01https://twitter.com/hozaifa01

جديد رد: الاستجمام في الغابة ـــ قصة قصيرة

في 2015-06-06, 04:43
ياله من استجمام منحرف
استعرض الموضوع السابقالرجوع الى أعلى الصفحةاستعرض الموضوع التالي
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى